CHRONIQUEالماءفضاء حر

من وراء تجميد مشروع مجلة المياه الجديدة؟

بقلم الخبير في الموارد المائية: الدكتور محمد بن سقة

منذ اندلاع الثورة التونسية، تفشت ظاهرة الاعتداءات على الملك العمومي للمياه كالسحب الجائر والربط العشوائي وتخريب شبكة المياه وعدم دفع الإتاوات ممّا أدى الى تردًي التوازنات المائية في البلاد.
وأمام نقائص أحكام مجلة المياه الواردة سنة 1975 في تنظيم التصرف المحكم في مجال المياه وعدم تلاؤمها مع المتغيرات والمعطيات الحالية كالاستغلال المفرط والمكثف للخزانات المائية الباطنية الذي فاق الطاقة المسموحة بها. الى جانب عدم شمولية أحكام مجلة 1975 وتوجهها أساسا نحو العرض، وعدم تحيين الجانب الردعي المتعلق بالجرائم والعقوبات وأمام قصور عدد كبير من مجامع التنمية الناشطة في مجال المياه في إدارة المنظومات المائية وفشل مراقبة أداءها الإداري والمالي، وغياب البرمجة المندمجة للثروة المائية على الصعيد المحلي والجهوي والوطني، وعدم نشر المعلومة المتعلقة بالمياه مما يفقد الشفافية والضمانات المستوجبة لحث الإستثمارات المرتبطة بهذا القطاع الحيوي، وأمام غياب مساهمة المجتمع المدني في التصرف المندمج في المياه وعدم مساهمة المستغلين ومستعملي المياه في أخذ القرار، فقد تأكد تحوير مجلة المياه الصادرة سنة 1975 وإعداد مجلة جديدة تأخذ بالاعتبار تطلعات الأجيال القادمة في هذا المجال ومكرسة لأحكام دستور 27 جانفي 2014 خاصة منها الحق في الماء والحق في البيئة السليمة والعيش الكريم والتنمية المستدامة والتوازن بين الجهات بإعتماد التمييز الإيجابي والعدالة الإجتماعية والملكية الفردية والحق في النفاذ إلى المعلومة ودعم اللامركزية وعلى تثبيت ملكية الثروات الطبيعية للشعب التونسي وترشيد إستغلالها.
وقد تضمن فعلا مشروع هذه المجلة الأحكام الأساسية التالية:
– إعتبار الموارد المائية ثروة طبيعية وطنية يجب استغلالها والمحافظة عليها،
– تثبيت مبدأ الحق في مياه الشرب والصرف الصحي،
– إدراج مفهوم اللامركزية في التصرف في الملك العمومي للمياه عبر إرساء مجالس جهوية للمياه.
– العمل على تحقيق القيمة الاقتصادية للموارد المائية،
-تحقيق مبدأ التضامن الوطني والعدالة في توزيع المياه،
– تنظيم مهنة التنقيب عن المياه ومتابعتها،
– إضافة إجراءات التصرف في الحالات القصوى كالفيضانات والجفاف،
– تعويض مجامع التنمية في قطاع الفلاحة والصيد البحري الناشطة في قطاع المياه بالمجامع المائية ذات مصلحة عمومية،
وجوبية نشر المعلومة المتعلقة بالمياه والحق في النفاذ إليها،
ضمان الحوكمة الرشيدة للموارد المائية بتشريك المجتمع المدني ومستعملي المياه في إنجاز المخططات المائية والتصرف المستدام في هذه الموارد،
مجابهة التغيّرات المناخيّة بتعزيز الجهود الدوليّة والمد التضامني والإنخراط في السياسات المائية الإقليمية وتبادل المعلومات في مجال المياه،
كما تمً في مشروع مجلة المياه الجديدة تدعيم الإطار المؤسساتي للتصرف والمحافظة على الموارد المائية بإحداث :
المجالس الجهوية للمياه لدراسة المسائل المتعلقة بالتصرف في الموارد المائية على مستوى الجهة في إطار الاستراتيجيات الوطنية،
الهيئة الوطنية التعديلية لخدمات المياه التي تكلف بتقييم وتعديل الخدمات العمومية المقدمة في قطاع المياه وذلك لضمان التوزيع العادل للماء على المواطنين ونجاعة إستعمال الماء في مختلف المجالات.
الوكالة الوطنية لحماية الملك العمومي للمياه وإستغلاله، التي تكلف أساسا بمراقبة وحماية الملك العمومي للمياه ودراسة الملفات المتعلقة باستغلال الملك العمومي للمياه وإستخلاص المعاليم الموظفة عليه.
المجامع المائية، ذوات معنوية ذات مصلحة عمومية بالشخصية المدنية لكي تكون مؤهلة للقيام بجميع الأعمال القانونية الداخلة في إطار إنجاز مهامها وتنظيمها وتسييرها وطرق متابعتها ومراقبتها بمقتضى نظام أساسي يكون مطابقا لنظام أساسي نموذجي يضبط بقرار من الوزير المكلف بالمياه.
ضبط المخالفات وتشديد العقوبات المنطبقة عليها.
وتجدر الإشارة إلى إمكانية تعديل النصوص الترتيبية المتعلقة بتنظيم بعض المتدخلين في قطاع المياه من وزارة الفلاحة إثر دخول هذه المجلة حيز النفاذ وذلك لتفادي التداخل في المهام بينها.
وقد تم التنصيص ضمن المجلة الجديدة على:
تحديد الملك العمومي للمياه وحمايته،
الحوكمة في قطاع المياه،
طرق استغلال واستعمال الملك العمومي للمياه،
الاستعمالات والخدمات العمومية في قطاع المياه والاقتصاد فيها،
إدارة المخاطر المرتبطة بالمياه والوقاية منها،
معاينة الجرائم وتتبعها،
فمجلة المياه الجديدة هي إذَا مشروعا طرحته مختلف الهياكل الحكومية من وزارات ولجان تابعة لها ومؤسسات اقتصادية ومجتمع مدني وذلك منذ عدًة أعوام، بهدف صياغة نصوص قانونية تكرس فيها مسؤولية الدولة والمجتمع في إدارة الموارد المائية والمحافظة عليها في إطار إرساء شراكة فعالة بين كل الأطراف التي لها علاقة بقطاع المياه حيث تم تعديله وإدخال اصلاحات لكي يتماشى مع ما يقتضيه الدستور التونسي.
مجلة المياه الجديدة هي وسيلة تعديلية جاءت لسد الثغرات القانونية التي من شأنها ان تحقق العدالة الاجتماعية وخلق التوازن بين العرض والطلب، وذلك في ظل التغيرات المناخية وما تبعته من تواتر الجفاف ونقص هطول الامطار وتضمن حق كل مواطن تونسي في الحصول على الماء كحق دستوري.
ان المتأمل في النصوص التي أتت بها مجلة المياه الجديدة يتبادر الى ذهنه العديد من الأسئلة. لماذا بقيت مجلة المياه الجديدة عالقة في رفوف الإدارة، علما انه تم تقديمها للمصادقة عليها منذ أشهر عديدة؟ الا يجدر الاخذ بعين الاعتبار ما أتت به من ابعاد قيمة لتحقيق القيمة الاقتصادية والمالية للموارد المائية؟
فأين مرت مجلة المياه الجديدة علما انها اثارت في بدايتها ضجة واهتمام الجميع وخاصة المجتمع المدني؟ ان كان الماء مصدر حياة كل الافراد التونسيين ومصدر استثمار كل القطاعات، فلماذا لا يقع الالتفات إلى هذا المشروع كقضية “رأي عام” من اجل مصلحة البلاد ومستقبل الاجيال القادمة؟ فمن وراء تجميد هذا المشروع؟ ولماذا؟
لا بد من انقاذ ما يمكن إنقاذه قبل ان تتحول هذه الإشكالية الى ازمة حقيقية يصعب على الحكومة حلها، علما ان العالم اليوم تداهمه حرب مياه وتونس تشملها هذه الازمة لأن مشروع مجلة المياه الجديدة سيكون مفتاح من مفاتيح النهوض بقطاع المياه في تونس.

الوسوم
إقرء المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ga('create', 'UA-113263524-1', 'auto'); ga('require', 'displayfeatures'); ga('require', 'linkid'); ga('set', 'anonymizeIp', true); ga('send', 'pageview');