الثلاثاء , 10 ديسمبر 2019
aren
الرئيسية / فضاء حر / أراء الخبراء / هل تحقّق تونس انتقالها التنموي عبر الإيكولوجيا السياسية ؟

هل تحقّق تونس انتقالها التنموي عبر الإيكولوجيا السياسية ؟

تمهيد

لا يفوت عارف أن الفاعلين السياسيين والمجتمعيين والاقتصاديين يستندون إلى علم الاجتماع السياسي وعلم الاقتصاد السياسي، وأن أفضلهم يعوّل بنفس الدرجة على “علم البيئة السياسي” (أو ‘الإيكولوجيا السياسية’). وهي مجالات دراسية وبحثية ومعرفية-تطبيقية لمختلف أوجه التنمية وأسسها واستدامتها: المجتمع، والاقتصاد، والمجال الترابي (النظم البيئية الترابية، الطبيعية والعمرانية). والحديث عن البيئة يتجاوز –مجتمعيا– الطرح العلمي الأكاديمي النظري الصرف إلى المعرفي والمجتمعي والسياسي البراغماتي.

من جهة أخرى، ورثت تونس الثورة وضعا مزريا للإدارة البيئية خلال السنين الأخيرة الموالية لفترة الاستبداد والفساد زادتها تأزما الانفلاتات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي جعلت عودة الوزارة للانتصاب ضرورة حتمية، لكن دونما كبير حساب لموضوعها ‘الأفقي’ و’الدائري’ ولدورها الإستراتيجي والحسّاس، وقد اقتصرت على محاولة إحياء مشاريع وبرامج منفصلة عن سياسة تنموية عامة للدولة لم تتوصّل إلى تحقيق الإضافة المطلوبة.

‘البيئة’: المدخل الإجماعي للمنوال التنموي التونسي المنتَظَر

فـ‘البيئة’ –التي لا يستثنيها عاقل من الحسبان– تـُعـَدّ (موضوعا واهتماما وسياسة) من العناصر العضوية لإعادة هيكلة البناء التنموي لتونس الجديدة من ناحية المساهمة في تحديد ملامح ومعالم ومرجعيات المنوال التنموي الجديد الذي يؤسس الدولة الجديدة في شراكة حقيقية مع الأطراف المعنية (منظمات وطنية، أحزاب سياسية، مجتمع مدني، خبراء، وكالات التعاون الفني، خبراء…) وفي هذه المرحلة المفصلية، وفي تحسين ظروف عيش المواطنين (خصوصا في المناطق الداخلية)، وفي إحداثات الشغل ‘الأخضر’، وفي الحدّ من آفة الفقر في المناطق الريفية والطبيعية.

وقد أصبحت البيئة تختزل مجمل الأزمات (الاجتماعية والاقتصادية والبيئية) خلال العقود الأخيرة والتي آلتْ إلى تنامي الجمعيات المعنية بالبيئة والتنمية المستدامة وإحداث الوزارات والمنظمات الأممية والدولية، وإلى حرص الحكومات على وضع سياسات بيئية كانت قمة الأرض الأولى بريو دي جانيرو (جوان 1992) المحطة التي جعلت من الاهتمامات البيئية اهتمامات تنموية متداخلة الأبعاد (الاجتماعية والاقتصادية والبيئية)، وهو ما عكسته الوثائق والقرارات المتمخضة عنه (برنامج الـ”الأجندا 21″، وبيان ريو، وإقرار سن اتفاقيات دولية حول التصحر والغابات…

يجدُرُ بالذّكر، في هذا المضمار، أنـّه بالتوازي مع القمـّة الرسمية، انعقدت أوّل قمـّة للمجتمع المدني بنفس المدينة (وهو ما أصبح تقليدا في كلّ القمم الأممية للتسـ1990ـعينات حتـّى قمة الأرض الثانية بجوهانسبورغ في أوت-سبتمبر 2002)، وأن أوّل مؤسسة إدارية-سياسية انبعثت بتونس كانت الوكالة الوطنية لحماية المحيط (1988) تلتها وزارة البيئة والتهيئة الترابية (1991). علما أن أوّل جمعية تونسية بيئية رأت النور سنة 1971 تلتها عشرات أخرى خلال العقود الموالية. كما لا يفوت التذكير بأن تونس صادقت على جميع الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية المتعلقة بالبيئة (التصحر، المناخ، المناطق الرطبة، البحر المتوسط، المناطق المحمية، قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة…).

ما هي السياسة البيئية ؟

السياسة البيئية هي جملة المبادئ والتوجهات العامة لمؤسسة (حكومة، وزارة، منظمة…) باتجاه حماية النـّظـُم الاجتماعية والاقتصادية من الانخرام و/أو التدهور والتلاشي: المجتمع والتجمعات والعمرانية، النظم الاقتصادية، المنظومات البيئية. وتستهدف السياسة البيئية بالتالي التصرف في الموارد الطبيعية، ودعم آليات الاقتصاد بما يضمن استدامته، ورعاية المجتمع وحمايته من آفات الجهل والفقر، وتعزيز التشريع الأخضر، والمراهنة على “المواطنة البيئية” كأساس جعل تلك السياسية ‘الخضراء’ اختيارا مجتمعيا يعزز حرمة القانون ونظافة السلوك.

وتوضع السياسة البيئية انطلاقا من معاينة وتشخيص الأضرار الواقعة والممكنة الناتجة عن وقع الأنشطة البشرية في النظم الاجتماعية والطبيعية والبيئية وتأثيرها على صحة الإنسان والكائنات الحية، وعلى توازن المنظومات الطبيعية، وعلى تبعاتها على مستوى الإنتاج الاقتصادي.

اهتمامات السياسة البيئية

وتتعرض السياسة البيئية لمسائل وقضايا مثل تلوث الهواء والماء والتربة، والتصحر، والتصرف في النفايات، والتصرف في المنظومات الطبيعية، وحماية التنوع البيولوجي والموارد الطبيعية، والحياة البرّية (الغابات والجبال…)، والتكنولوجيا النظيفة، والتغيرات المناخية…

وهي تأخذ في الاعتبار التكلفة الباهضة للتنمية (والاقتصاد تحديدًا) التي لا تأخذ في الحسبان الكلفة الاجتماعية والبيئية في عملية الانتاج، والتي تدفعها المجموعة الوطنية والمواطن والأجيال القادمة التي تتحمـّل عبئ الاقتصاد الذي لا يحترم التوازن البيئي وقدرة الموارد الطبيعية على التجدد التلقائي.

كما أن السياسة البيئية تجعل من الاتصال أخضرًا، ومن التربية بيئية، ومن المواطنة إيكولوجية، إذْ تطورت السياسات البيئية في العالم منذ نشأتها في السبـ1970ـعينات لتشمل خلال العقديـْن الأخيريـْن الاتصال البيئي (إعلام، تحسيس، اتصال، تبادل خبرات…)، والمواطنة البيئية، والحوْكمة البيئية، والاقتصاد الأخضر، والتكنولوجيا النظيفة، والطاقات النظيفة (المتجددة والبديلة)…

وسائل السياسة البيئية وتوجهاتها

وتتمثل وسائل السياسة البيئية في أدوات تستعملها الحكومات والمؤسسات لتنفيذها مثل: التشريعات البيئية، والتهيئة الترابيـّة والعمرانية، والحوافز الاقتصادية، والإعفاءات الجبائية، واتفاقيات الشراكة، والاتصال البيئي، والتربية البيئية… وطبعا، المؤسسات (وزارات، وكالات، دواوين، هيئات، مجالس بلدية، تتنظيمات مدنية…).

وقد أصبح واضعو السياسات البيئية (منذ انعقاد قمة الأرض الأولى حول البيئة والتنمية بريو دي جانيرو (جوان 1992) يركزون على ضرورة الابتعاد عن الاقتصاد الحرّ الوحشي دون قيود وتوخـّي مقاربة للنظام الاقتصادي في إطار نظرة شاملة لمنوال التنمية الذي تتداخل فيه –بالضرورة لا بالاختيار– أبعاد ثقافية-اجتماعية، واقتصادية، وطبيعية (بيئية) والذي يصبح، بالتالي، قائما على رأسمال إجمالي يشمل الرأسمال البشري (الاجتماعي)، والرأسمال المالي (الاقتصادي)، والرأسمال الطبيعي (البيئي).

وتشمل السياسة البيئية المقترحة –منهجيا– ‘إطارا نظريا’ (مرجعيـّا) في شكل رؤيا، ومهمـّة / رسالة، وأهداف، ومبادئ، وتوجهات إستراتيجية وفق صياغة واضحة وقابلة للمراجعة والاستئناس من طرف الجميع. وهي المقاربة الحتمية لمنوال تنموي منشود بعدما أثبتت المقاربات الاقتصادية والاجتماعية السابقة الفشل وجعلت ثورة الحرية والكرامة انقلابا عليها وطلبا لإجابة نظرية وفعلية على أسس جديدة ووجيهة تعطي المنطلق الناجع لتنمية ثلاثية الأبعاد بالتكامل والاندماج.

في مشمولات الحقيبة الحكومية البيئية

فالوزارة أو المؤسسة الحكومية المكلّفة بالبيئة (هي الآن وزارة الانتقال الإيكولوجي والتضامني بفرنسا حاليا، مثلا) هي المؤتمنة على بلورة رؤية شاملة بمشاركة كلّ الأطراف تتعلق بمواردنا الطبيعية ومنظوماتنا الترابية (الطبيعية والحضرية)، وتؤسس لمنوال التنمية الذي ينشده كلّ التونسيين والذي يقطع مع النظرة الضـّيـّقة. هي الطرف السياسي والإداري التنسيقي والمرجعي للعمل الحكومي وهمزة الوصل في بناء منوال تنموي رشيد (اجتماعي-اقتصادي-بيئي) كفيل بضمان كرامة المواطن التونسي والأجيال القادمة في إطار عيش لائق.

وهي من مؤسسات الدولة الواجب التعويل عليها لوضع خطة عاجلة لإيقاف الانفلاتات البيئية التي أتت على الأخضر في الطبيعة وعلى اليابس في مناطق العمران من تحطيب جائر وتراكم النفايات المنزلية ونفايات البناء في التجمعات السكنية وتوقف عمل المصبات المراقبة وبناءات فوضوية وإفرازات صناعية وشتى الانتهاكات البيئية الأخرى، بالإضافة إلى دورها الهامّ في التمهيد لتصوير ملامح المنوال التنموي الصالح في تونس الذي تستدعيه أهداف الثورة القائمة على فشل منوال التنمية السابق، والذي ما زالت الحكومة والشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين بصدد ‘استكشافه’ ومحاولة إيجاد السبل لوضعه على السكّة.

الحقيبة الحكومية بأكثر تحديد

فالوزارة المكلفة بالبيئة مؤسسة حكومية ‘أفقية’ يمكن تلخيص مهمـّتها في اقتراح السياسة البيئية التونسية لعمل مؤسسات الدولة والمجتمع عموما، والحكومة على وجه الخصوص في آفاق التنمية المستدامة وعلى أساس الشراكة والمواطنة والحوكمة البيئية، والتنسيق لإرساء منوال تنمية مفيد اجتماعيا، وناجع اقتصاديا، ورشيد بيئيـّا، وذلك عبر:

  1. وضع رؤية للتوجهات البيئية للدولة؛
  2. وضع استراتيجيات قطاعية بيئية-تنموية بالتنسيق مع مختلف الجهات المعنية والمختصة؛
  3. اقتراح وتعزيز التشريعات البيئية بالتنسيق والتشاور مع الأطراف المعنية (التصرف في الموارد الطبيعية، المراقبة والتحفيز، التصرف في النفايات، البحث العلمي والتكنولوجي، الاقتصاد ‘الأخضر’، التهيئة الترابية، التهيئة العمرانية، الفلاحة البيولوجية، استراتيجيات التنمية المستدامة…)؛
  4. رعاية الاتصال البيئي (تحسيس، توعية، تربية، إعلام، تبادل) بما يساهم في ترسيخ ‘المواطنة البيئية’؛
  5. تعزيز الشراكة مع مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع المدني على أساس الحوكمة الرشيدة والاستثمار ‘الأخضر’؛
  6. استفادة تونس من فرص الدعم بعنوان البيئة والتنمية المستدامة التي يتيحها التعاون الدولي الثنائي ومتعدد الأطراف.

هذا فضلا عن دورها الاتصالي (التوعوي والتربوي والتثقيفي) الأخضر الشامل، والتشريعي، وبالتشاور مع مجلس اقتصادي واجتماعي (ينتظر إعادة بعثه ممثّلا في هيئة التنمية المستدامة والأجيال القادمة).

وبالتالي، تكون هذه الوزارة مدعوّة لوضع برنامج واضح يستند إلى رؤية دقيقة للأوضاع الحالية، وإلى توجهات وأهداف مستقبلية قابلة للتحقيق، ويعزّز توجهات الحكومة التنموية على الأمديـْن القصير والمتوسط والأبعد. وتجدر الإشارة إلى أنّ تنفيذ السياسة البيئية العامـّة للبلاد هو شأن حكومي أصلا، ومحلّ شراكة حقيقية (بدءا بالوضع وانتهاءا بالتنفيذ والمتابعة والتقييم والمراجعة) مع كلّ الأطراف المؤسساتية والمجتمعية والخبرات التي أصبحت تونس تعجّ بها والمشهود لها على المسويات الوطنية والإقليمية والدولية.

وعسى هذا العرض المتواضع يساهم في تفعيل دور الوزارة ‘الخضراء’ وجعل البيئة “حصان طروادة” ناجح وناجع كأحد الأدوية ‘الطبيعية’ لمرض التنمية المزمن الذي ينخر عظام المجتمع والدولة على حدّ سواء.

عن البيئة نيوز

شاهد أيضاً

عندما يتحدث وزير البيئة بتلقائية…هل للادراك مجال للتفكيك والتشفير؟

  كثر الحديث في الاونة الاخيرة عن الكلمة التي رددها وزير الشؤون المحلية والبيئة،مختار الهمامي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ga('require', 'displayfeatures'); ga('require', 'linkid'); ga('set', 'anonymizeIp', true); ga('send', 'pageview');