CHRONIQUEالماء

نحو التفويت في الخدمات المائية الاستراتيجية للقطاع الخاص والأجانب

 

 بقلم جنات بن عبد الله، اعلامية وكاتبة في المجال الاقتصادي

شرعت لجنة الفلاحة والأمن الغذائي والتجارة والخدمات ذات الصلة بمجلس نواب الشعب يوم الخميس 17 ديسمبر 2020 في النظر في مشروع القانون الأساسي المتعلق بإصدار مجلة المياه في نسخته الأخيرة التي صادق عليها مجلس وزاري بتاريخ 27 جويلية 2019 في عهد حكومة يوسف الشاهد. عرضت وزيرة الفلاحة عاقصة البحري لهذا المشروع في لجنة الفلاحة لم يعكس خطورة التعديلات التي أدخلت على مجلة المياه لسنة 1975 والتي أخذت بعين الاعتبار مقتضيات الترسانة التشريعية والقانونية التي ركزها رئيس الحكومة يوسف الشاهد كاطار قانوني لتنفيذ اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق “الأليكا” حيث شكل قانون الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص وقانون الاستثمار والقانون الافقي للاستثمار وتحسين مناخ الأعمال، العمود الفقري لتحرير قطاع الخدمات في تونس بما في ذلك الخدمات المائية. من جهة، ومن جهة ثانية مقتضيات الفصلين 8 و9 من النص المتعلق “بالمنافسة والأحكام الاقتصادية الأخرى” لاتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق الذي جاء فيه “أن جميع احتكارات الدولة ذات الصبغة التجارية ستزول بحلول السنة الخامسة التي تلي ابرام اتفاقية التبادل الحر. كما ستخضع المؤسسات العمومية التي تتمتع بحقوق خاصة أو حصرية لشروط السوق في نهاية السنة الخامسة التي تلي ابرام الاتفاقية وذلك لغرض تحرير المبادلات بين الاتحاد الأوروبي وتونس”.

وما يلفت الانتباه في عرض السيدة الوزيرة المتحصلة على الدكتوراه في الهندسة من المعهد الوطني للفنون التطبيقية في تولوز والخبيرة الدولية في مجال المياه، كما جاء في سيرتها الذاتية، لأكثر من 40 سنة في المجال حيث عملت في البنك الافريقي للتنمية وفي المعهد الدولي لإدارة المياه بغانا ولها تجارب في العديد من البلدان على غرار كينيا والنرويج والسويد وفرنسا، الارتجال المتعمد الذي اتسمت بها مداخلتها، ارتجال يقوم على خلفية التضليل والاستخفاف بالأهداف الرئيسية لمشروع القانون الأساسي لتشتيت اهتمام وتركيز الحاضرين في اللجنة حيث طغى جو من القلق في القاعة والاستغراب من خبيرة دولية في المياه تتهجى الكلمات وتقفز على المحاور الرئيسية لتجنب الخوض في مناقشة الهدف الأساسي من التعديل المتمثل في الغاء احتكار الدولة للخدمات المائية المنصوص عليه بالعنوان الرابع المتعلق بطرق استغلال واستعمال الملك العمومي للمياه حيث لم تتوقف عند هذا العنوان الرابع الذي ينص فصله الأول وهو الفصل 42 على أنه: “يخضع كل استعمال أو استغلال للملك العمومي للمياه لترخيص أو امتياز أو لزمة أو كراس شروط…”، وهي الصيغ الجديدة لتفويت الدولة في الخدمات المائية لفائدة القطاع الخاص والشركات الأجنبية تحديدا.

في هذا السياق يعتبر الفصل 45 من مشروع القانون الأساسي النص القانوني الذي يترجم حقيقة الغاء احتكار الدولة للخدمات المائية من خلال التنصيص على هوية الفاعل الجديد في القطاع المائي وهو “مسدي خدمة استغلال المياه” الذي سيعوض شركة استغلال وتوزيع المياه “الصوناد” التي كانت تحتكر هذه الخدمات الى اليوم والتي دخلت في متاهات الصعوبات المالية التي عمقت افلاسها وسيتم التمهيد لاندثارها مع دخول هذا المشروع حيز التنفيذ في صورة عدم تحلي القوى الوطنية في مجلس نواب الشعب باليقظة والتشبث بالسيادة الوطنية مقابل حكومة قبلت التلاعب بالشعب، ودولة ارتهنت لشروط واملاءات الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي. ينص الفصل 45 على: تنظم العلاقة بين مسدي خدمة استغلال المياه من جهة والمستهلك من جهة أخرى باعتماد صيغة تعاقدية نموذجية تضبط من قبل مسدي خدمة استغلال وتوزيع المياه بعد أخذ رأي المنظمات المهنية ذات الصلة”، بما يعني أن شركة «الصوناد” ستجد من ينافسها في السوق التونسية من شركات فرنسية وألمانية. وتتجسد هذه الصيغ التعاقدية في عقود اللزمة وعقود الامتياز حيث تتولى الدولة في اطار عقد الامتياز مثلا تفويض مهمة استغلال وتسيير كل جزء من الأنشطة المائية لأشخاص معنوية عامة أو خاصة، وطنية كانت أو أجنبية، خلال مدة محددة دون التنازل التام عن الحقوق والممتلكات لصالح المفوض له وهو ما تحاول الحكومة التسويق له من خلال الإقرار بأن الماء هو ملك عمومي غير قابل للتفويت اقرار تريد من وراءه الحكومة التلاعب بالرأي العام باعتبار أن الشركات العالمية لا يعنيها امتلاك هذه الثروة الوطنية بقدر ما تعنيها الخدمات المائية التي ستجني من وراءها ثروات هامة. وزيرة الفلاحة ذات الخبرة الدولية في المياه تعمدت القفز على الفصل 45 وهي أدرى بما سينجر عن تفويت الدولة للخدمات المائية لفائدة الشركات العالمية حسب تجارب مرت بها عديد البلدان كشفت عن فشل عقود اللزمات وعقود الامتياز وتداعياتها الخطيرة على ضمان الدولة لحق الشعب في الماء.

ففي استراليا مثلا أدى التفويت في الخدمات المائية الى حدوث اختلال وظيفي في خدمات المياه مثل تلوث المياه في “سيدني” في خريف 1998 حيث اضطر السكان الى القيام بغلي المياه لتصبح صالحة للشرب لمدة 32 يوما. كما جلب التفويت في الخدمات المائية في جنوب افريقيا أسوأ موجة وباء كوليرا في تاريخها حيث اضطرت الفئات الاجتماعية ضعيفة الدخل الى اللجوء الى مياه الأنهار الملوثة بسبب ارتفاع أسعار المياه. وفي دراسة قامت بها جامعة نورث كارولاينا أجرتها على دول أمريكا اللاتينية تبين أنه كلما تم التفويت في القطاعات العمومية كلما ارتفعت معدلات الفقر واللامساواة الاجتماعية والاقتصادية. ان المصادقة على مشروع القانون الأساسي المتعلق بإصدار مجلة المياه في صيغته النهائية الحالية يشكل تهديدا حقيقيا للأمن الوطني في مفهومه الشامل، تهديد سيتعمق بالتوقيع على اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق.

إقرء المزيد

مقالات مرتبطة

زر الذهاب إلى الأعلى