الثلاثاء , 10 ديسمبر 2019
aren
الرئيسية / فضاء حر / أراء الخبراء / صراعات ونزاعات دولية حول الذهب الأزرق

صراعات ونزاعات دولية حول الذهب الأزرق

بقلم: مريم بن عيسى طالبة في معهد الصحافة

يعدّ الماء أساس بدء الحياة على كوكب الأرض ووجودها واستمرارها ومن أكثر الضرورات فيها لتأمين الحاجيات الفيزيولجية لكل الكائنات الحية عليها (إنسان      و حيوان و نبات).

ويعتبر الماء من الموارد الطبيعية المتجددة في هذا الكوكب رغم تركيبته الكيميائية الثابتة منذ خلق الأرض و دونه لا حضارة و لا تقدم و لا ازدهار لذلك يحتل الماء  مكانة أساسية بين الشعوب و الحضارات عبر التاريخ الحديث و القديم لدوره الحيوي . من أبرزها حضارة الفراعنة أو مصر القديمة التى تأسست على ضفاف نهر النيل أطول أنهار العالم و الحضارات التي ازدهرت في أرض مابين النهرين بين دجلة و الفرات في الأزمنة السحيقة  و حضارة وادي السند التي تعد من أعظم حضارات العالم التي  تأسست بين باكستان و شمالي الهند ثم الحضارة الصينية التي كان مهدها البحر الأصفر…

لكن تبقى المياه منذ الأزل محل صراعات و نزاعات بين الشعوب نظرا لكونها موزعة بصفة غير متكافئة بين الدول (دول غنية بالمياه و أخرى فقيرة) وهو مايحد في نموها الاقتصادي و تقدمها.

ليست كل الأراضي تزخر بهذه الثروة الثمينة رغم أن المياه تغطي أكثر من ثلاثة أرباع  الكرة الأرضية حيث 97 بالمائة  منها مياه مالحة و3 بالمائة منها مياه عذبة و أكثرها متجمدة و غير قابلة للاستغلال و حوالي 1 بالمائة من النسبة الأخيرة  مياه جوفية و سطحية تلبي حاجيات الإنسان و يمكن استغلالها.

ندرة المياه العذبة كانت و مازالت و ستبقى محل صراع دولي و كثير ما يثير أطماع معظم الدول في رسم سياساتها و إستراتيجياتها التنموية و الاستحواذ على ثروات الدول المجاورة لها مما قد يشعل حروبا جديدة.

*أزمة المياه و الصراع الدولي:

تجاوزت النزاعات الدولية و الصراعات فيما بينها اليوم الهيمنة و النفوذ السياسي و المشكلات العرقية و الدينية لتصل إلى حروب موارد طبيعية و ثروات باطنية. فإن كان الصراع على الذهب الأسود “النفط” قد شكل مساحة كبيرة من النزاعات        و الأحداث منذ عقود فإن الصراع على الذهب الأزرق “الماء”هو أشد حدة و أكبر حجم . و قد واكب هذا النزاع التطور البشري منذ البداية و تفاقم بتزايد البشر و الحاجة للزراعة  مع ندرة المياه و كثرة الجفاف و تأثير التغييرات المناخية و تردي نوعية المياه تحت تأثير التلوث بكل أنواعه.

و صار نزاع المياه ان كان عسكريا أو سياسيا أو اقتصاديا هاجسا لمعظم دول العالم للهيمنة  على مصادر المياه و اقتسامها خاصة في مناطق تعاني شحا من المياه العذبة كالشرق الأوسط الذي تشكل الصحراء فيه نسبة كبيرة.

و في هذا المضمار يمكن ذكر إشكاليات المياه بدول الشام التي تضم سوريا و لبنان والأردن و فلسطين حيث احتد الصراع بينها و بين الكيان الصهيوني الذي وضع يديه على أهم المنابع فيها مثل بحيرة طبرية و هضبة الجولان و أهم الموائد المائية سواء الساحلية أو الداخلية و ذلك لتلبية حاجياته الاقتصادية دون اعتبار حق الآخرين و تقوية وضعيته الجيوسياسة.

و قد سبق لإسرائيل بعد اجتياح لبنان سنة 1982 السيطرة على نهر ألوزاني الذي يغذي نهر الأردن بوضع مضخات لإيصال المياه لشمالها. فالحركة الصهيونية فكرت منذ 1919 في تلبية جزء من حاجيتها للمياه من موارد لبنان. وتقاسمت إسرائيل مياه نهر الأردن بما فيها مع سوريا و لبنان و الأردن وفقا لمعاهدة “خطة جونسون المتفق عليها في خمسينيات القرن الماضي.

يبقى موضوع اقتسام مياه الأنهار الكبرى العابرة للدول مثل النيل و دجلة و الفرات وغيرها من أصعب الملفات التي تعترض المفاوضات الدولية رغم وجود معاهدات و اتفاقيات تضمن حق الشعوب في النفاذ للماء فقد اعتبر هذا الحق عام 2000 من قبل اللجنة العالمية للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية كحق من حقوق الإنسان التي لا يمكن الاستغناء عنها و العيش دونها كما جاء في المادة الأولى من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية أنه ” من حق جميع الشعوب التصرف بثرواتها و مواردها ألطبيعية و أكدت اتفاقية ” هلسنكي” هذا الحق و هي معروفة بشأن استخدام المصادر المائية المشتركة بين الدول و البحيرات  الدولية و تلزمهم الاستخدام العادل و المعقول للمياه دون الإفتكاك و مع ” عدم التسبب في الضرر ” و في عام 2010 كان اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بحق  الإنسان في النفاذ للماء.

غير أننا لا نرى تطبيق فعلي و صريح لهذه الاتفاقيات و استخدام و اقتسام عادل للمصادر المائية فبقيت مجرد اتفاقيات حبرية.

مشكلة اقتسام مياه نهري النيل و الفرات مثلا تعد حاليا من المشكلات الإقليمية و الدولية بما أنها ليست مسألة مائية فقط و إنما لها أبعاد سياسية و اقتصادية كبيرة تأتي في مقدمة المخطط الذي يرسم للمنطقة.

فيتمتع من مياه نهر النيل إلى جانب مصر و السودان  سبع دول أخرى: أثيوبيا و أوغندا و تنزانيا و رواندا و بوروندي و كينيا و الكونغو الديمقراطية . و تبلغ حصة مصر و السودان قرابة 87 بالمائة فيما تحظى بقية الدول بالنسبة المتبقية و هو ما آثار نزاع بين دول المصب و دول المنابع و ذلك لعدم التكافيء في اقتسام و استغلال الموارد المائية بصفة عادلة خاصة أن الدول السبع التي يعبرها النيل تعاني من فقر مائي كبير اضافة الى تأخرها الاقتصادي.

وفي عام 2013 أعلنت الحكومة الأثيوبية عن بناء سد النهضة مما خلق أجواء من التوتر بينها و بين مصر فهو الأمر الذي يهدد مصير الموارد المائية المستقبلية لمصر و السودان  و يهدد كذلك الأمن المائي الذي يكفل رسم و تحقيق سياسات اقتصادية و تنموية.

فيما يستمر النزاع و الخلاف التاريخي على نهر الفرات النابع من تركيا مخترقا سوريا و العراق ليلتقي مع نهر دجلة قبل المصب بالخليج العربي فان تركيا سمحت بإعطاء نفسها الشرعية في استعمال ما تشاء من مياه الفرات دون احتساب حق الآخرين و احترام المعايير الدولية و لكن بتفسير قانوني بعيد كل البعد عن الشرعية القانونية و قريب من أهداف براغماتية تخول لها هذا التصرف.

منذ بناء تركيا مجموعة من السدود و منشآت الطاقة الكهرومائية على مجرى نهر الفرات اشتد النزاع و احتد الخلاف لأن ذلك قلص من كمية المياه المتدفقة إلى سوريا بنسبة 40 بالمائة  و من حصة العراق من المياه بنسبة 80 بالمائة وشرعت الحكومة التركية منذ سبعينات القرن الفارط في مشروع تنموي كبير  بجنوب شرقي

الأناضول لإنتاج الطاقة المائية و الزراعة .

واقترضت تركيا من إسرائيل حتى تنفذ هذا المشروع و لم ترفض هذه الأخيرة الطلب شرط أن تدخل معها شريك لسبب رئيسي واحد و هو الحصول على المياه و التحكم فيها و القيام بالضغط المائي على العراق و سوريا  الدولة الاكثر تضررا من الدول الثلاث  في استغلال مياه الفرات و صارت إسرائيل فيما بعد شريك فعلي في هذا المشروع الحيوي حتى تستفيد بمياه الفرات بثمن بسيط مباشرة من  تركيا.

فالمياه تعتبر محورا مهما من محاور الفكر الصهيوني و الذي تقوم عليه إسرائيل طبقا للخريطة المعلقة على الكنيست في إسرائيل من النيل إلى الفرات.

تزداد الصراعات على الثروات المائية بحجم تزايد حاجيات الدول عليها فيعتبر انعدام الأمن المائي انتهاكا قويا لبعض أهم مبادئ العدالة الاجتماعية و المواطنة التي من المفترض أن يتمتع بها الجميع بقدر متكافئ و انعدامها يعد تهديدا للأمن المائي و السلام الإنساني و عنصر من عناصر اندلاع حروب خاصة مع التكالب الحالي للدول على هذه الثروة النادرة و الهامة في نفس الوقت.

و تشير البحوث و الدراسات الإستشرافية بأن هذا النزاع سوف يزداد حدة و تفاقما على الأرض بسبب تزايد حاجيات البشر على الماء لإنتاج الغذاء و التطور الصناعي و تأثير التغيرات المناخية على الدورة المائية ، ويتطلب ذلك حلولا جذرية و عملية و تصرف مندمج في مياه الدول و تكاثف مجهودات المجموعة الدولية لضمان السلام.

عن البيئة نيوز

شاهد أيضاً

عندما يتحدث وزير البيئة بتلقائية…هل للادراك مجال للتفكيك والتشفير؟

  كثر الحديث في الاونة الاخيرة عن الكلمة التي رددها وزير الشؤون المحلية والبيئة،مختار الهمامي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ga('require', 'displayfeatures'); ga('require', 'linkid'); ga('set', 'anonymizeIp', true); ga('send', 'pageview');