CHRONIQUE

بيان مجلس إدارة البنك المركزي العجيب والغريب

 

بقلم جنات بن عبد الله،اعلامية وكاتبة في المجال الاقتصادي

اكتفى بيان مجلس إدارة البنك المركزي الصادر بتاريخ 30 ديسمبر 2020 بملاحظات برقية تتعلق بتشخيصه للوضع الاقتصادي والمالي في البلاد حيث اختزلت الفقرة الخامسة من البيان حصيلة نقاشات مجلس الإدارة الذي أكد فيه أنه “بالنظر الى الوضعية الاقتصادية الدقيقة والصعبة التي تمر بها البلاد أصبح من الضروري العمل على توفير الإطار الملائم لإنعاش الاقتصاد وتوضيح الرؤية للمتعاملين الاقتصاديين وتحسين المناخ لدفع الاستثمار الداخلي والخارجي الذي يمثل الرافد الأساسي للنمو والتشغيل”. في هذه الفقرة التي صيغت بطريقة عجيبة وغريبة حيث لم تكشف عن الطرف المعني بالتحرك.

يبدو أن مجلس الإدارة أراد، من جهة أولى، الاختفاء وراء قانون استقلالية البنك المركزي للتنصل من مسؤوليته في تدهور الوضع الاقتصادي. ومن جهة ثانية، تجنب التدخل في السلطة التنفيذية التي توجه لها في صيغة المجهول لمطالبتها بالعمل على توفير إطار إنعاش الاقتصاد وتوضيح الرؤية للمتعاملين الاقتصاديين، وتحسين مناخ الاستثمار الداخلي والخارجي في الوقت الذي تعتبر هذه المسؤولية مشتركة بينهما. البيان، لم يتوقف عند هذا الحد، ليصر عند التعرض الى الحلول التي طرحها للخروج من الأزمة، على “ضرورة التسريع في القيام بالإصلاحات الهيكلية لتحقيق استقرار التوازنات الاقتصادية الكلية” في اتهام واضح وصريح لطرف، لم يكشف عنه، بالتقاعس والتقصير في الشروع في تنفيذ اصلاحات لم يعلن عن طبيعتها. وحتى لا يتهم بتغييب البعد الاجتماعي في طرحه للحلول، تفضل مجلس إدارة البنك المركزي بالدعوة، لجهات مجهولة، الى «وضع الاليات الكفيلة بحماية الفئات الهشة”.

ويبدو، من خلال هذه الفقرة التي صيغت بطريقة لم تخرج عن معايير وصفات صندوق النقد الدولي الأولى التي اقرت في بلادنا في بداية سبعينات القرن الماضي مع الهادي نويرة، والثانية في منتصف الثمانينات مع برنامج الإصلاح الهيكلي الذي يقوم على تخلي الدولة عن دورها الاقتصادي من خلال اتباع سياسة التقشف وسياسة الانفتاح ورفع كل القيود أمام التوريد، أن مجلس إدارة البنك المركزي أراد هذه المرة الحديث بلسان صندوق النقد الدولي، في اطار تدخله الثالث الذي جاء في سنة 2013 ، للتوجه للرأي العام الوطني والفاعلين الاقتصاديين، وليس الحكومة، للتذكير بالتزامات الدولة التونسية التي تعهدت بها الحكومة والبنك المركزي في شهر أفريل 2020 والمتمثلة في مواصلة العمل بسياسة التقشف من خلال الضغط على عجز ميزانية الدولة عبر الضغط على كتلة الأجور ورفع الدعم والترفيع في الضرائب من جهة، ومن خلال اتباع سياسة نقدية متشددة أدت الى تعطيل محركات النمو من استهلاك واستثمار وتصدير وسياسة صرف مرنة أدت الى انزلاق الدينار لتحقيق ما سماها بالتوازنات الاقتصادية الكلية.

ومن خلال الأسلوب الذي تبناه لطرح الحلول، كشف البنك المركزي عن دوره الحقيقي كممثل لصندوق النقد الدولي في البلاد يسهر على تنفيذ وحماية وصفاته حيث كشف هذا الأسلوب عن غياب مجهود وطني لاقتراح حلول تستند الى حقيقة الصعوبات التي يمر بها اقتصادنا الوطني، كما كشف هذا الأسلوب عن قطيعة صارخة بينه وبين الشعب التونسي الذي دخل في حراك اجتماعي لم يتوقف منذ الثورة الى اليوم للتعبير عن رفضه لهذه “الإصلاحات” التي سحقت الطبقة الوسطى وقضت على الفئات الهشة ودمرت القطاعات المنتجة وهمشت الشعب التونسي المتواجد في كامل التراب التونسي وليس في المناطق الداخلية فقط، حراك لا نجد له أثرا في بيانه الاخير. هذا الغياب وهذه القطيعة كرسهما البيان من خلال تباهي البنك المركزي بإنجازاته في باب السيطرة على التضخم الذي تراجع الى 4.9 بالمائة في شهر نوفمبر الماضي بحساب الانزلاق السنوي مقابل 6.5 بالمائة خلال نفس الشهر من السنة الماضية، تراجع يعتبره البنك المركزي نتيجة ومكسبا لسياسته النقدية المتشددة التي يرى أنها أنقذت البلاد من ارتفاع جنوني للأسعار في ظل انكماش اقتصادي وتراجع في الإنتاج تم تعويضه بتوريد مكثف قضى على الاستثمار والإنتاج وكل أمل في التصدير، والحال أن هذا التراجع في نسبة التضخم هو ترجمة لتدهور المقدرة الشرائية ولمستوى عيش المواطن الذي عجز عن تأمين الدراسة لأبنائه والخدمات الصحية… لترتفع نسبة الفقر ونسبة البطالة الى مستويات غير مسبوقة.

طمأننا البنك المركزي بأنه سيتم مواجهتها حسب وصفات صندوق النقد الدولي ب”الاليات الكفيلة بحماية الفئات الهشة” التي اتسعت بفضل ما يسمى ب”الإصلاحات الهيكلية”. هذه القطيعة بين البنك المركزي والواقع الاقتصادي كرسها أيضا البيان من خلال تباهيه بمستوى الموجودات الصافية من العملة الصعبة التي بلغت 22.9 مليار دينار بتاريخ 29 ديسمبر 2020 مقابل 19.1 مليار دينار في نفس التاريخ من السنة الماضية والحال أن الاقتصاد الوطني يعاني حالة انكماش غير مسبوقة ومستوى عجز تجاري قياسي بلغ خلال الاحدى عشر أشهر الأولى من السنة 21.5 مليار دينار بخلاف ما يدعيه وهو 11.7 مليار دينار معلنة.

هذا العجز التجاري غير المسبوق يترجم تعطل أهم مصدر للعملة الصعبة وهو التصدير لنقف عند حقيقة مخجلة وهو أن البنك المركزي يتباهى بموجودات من العملة الصعبة مصدرها قروض خارجية وليس مواردنا الذاتية المتأتية من التصدير ومداخيل السياحة. في هذا السياق استغربنا صمت البنك المركزي تجاه اعتماد النسخة السادسة لدليل ميزان الدفوعات التي أصدرها صندوق النقد الدولي في سنة 2008 والتزمت بتطبيقها كل البلدان الأوروبية منذ سنة 2010 في إطار تفعيل المنظومة الأوروبية للمحاسبة الوطنية و الاقليمية لسنة 2010 الا أن الحكومات المتعاقبة بعد الثورة رفضت الانخراط في هذا المسار الذي يكشف عن حقيقة عجز المبادلات التجارية بين تونس والاتحاد الأوروبي الذي بلغ 45 بالمائة من العجز التجاري الإجمالي في سنة 2019 والحال أن الاتحاد الأوروبي والسلط التونسية يزعمان عكس ذلك. وما عمق استغرابنا أن البنك المركزي قد اعتمد فعليا هذه النسخة ولكن لاستغلالها داخليا دون الإفصاح عن نتائجها للراي العام بما يضع تساؤلات خطيرة حول هذا الموقف الذي يضرب ادعاءه بالاستقلالية ويضعه في خانة التوظيف السياسي المكشوف لإخفاء العجز التجاري الحقيقي الذي يعكس ميزانا تجاريا هزيلا مع الاتحاد الأوروبي يضرب ادعاءات الأنظمة السابقة والحكومات المتعاقبة بعد الثورة بتنوع الاقتصاد التونسي وبوجود صناعات معملية مندمجة في النسيج الاقتصادي الوطني والحال أنها تندرج في اطار الاستثمار الأجنبي المباشر الذي جاء لنهب القوى العاملة وتدمير الاستثمار الوطني.

نقاط استفهام كثيرة تبقى قائمة تجاه بنك مركزي كشف بيانه الأخير عن ابتعاده عن واقع البلاد واصراره على تبني سياسات نقدية ومواقف تضرب الاقتصاد الوطني وسيادتنا الوطنية

إقرء المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى