الثلاثاء , 10 ديسمبر 2019
aren
الرئيسية / فضاء حر / أراء الخبراء / المسؤولية المجتمعية للمؤسسة: من أجل تنمية مستدامة

المسؤولية المجتمعية للمؤسسة: من أجل تنمية مستدامة

بقلم الخبير في التنمية المستدامة: حسين الرحيلي

لم يكن دخول الإنسانية عصر الثورة الصناعية الرابعة (ثورة المعلومات والاتصال ) بدون آثار سلبية كبرى على المستوى العالمي والإقليمي والمحلي. ويمكن اعتبار مخلفات الثورات الصناعية السابقة والتي تميزت بالاستغلال المفرط للثروات بحثا عن أكبر ربح ممكن، إضافة إلى ما خلفته انبعاثات الغازات المتسببة في الانحباس الحراري من أضرار وتحولات مناخية كبرى ومدمرة للإنسان والنبات والموارد الطبيعية بشكل عام، علامة فارقة للإنسانية حتى تفكر بشكل مخالف، إذا أرادت أن تؤسس لنمط مجتمعي وتنموي مستدام ومتناسق مع إمكانيات الطبيعة المتجددة وفق قوانينها الداخلية والذاتية.

ولعل الأزمة المالية والاقتصادية التي ضربت النظام الرأسمالي العالمي أواخر 2007 وبداية 2008 والتي ارتبطت بأزمة الرهن العقاري الأمريكية، قد حتمت على الساهرين على هذا النظام إعادة النظر في مجمل القضايا المرتبطة بالمؤسسة الإنتاجية وطرق تسييرها وأطراف الإنتاج ومدى استدامة المنظومة التنموية المطبقة.

المسؤولية المجتمعية للمؤسسة: حل في طريق التنمية المستدامة:

للخروج من النمط الإنتاجي التقليدي المرتبط بصاحب العمل أو صاحب المؤسسة أو بقرارات مجلس الإدارة للمساهمين في رأس المال والذي اربط بعقلية الربح مهما كانت النتائج حتى على حساب التوازنات البيئية الكبرى وندرة الموارد الطبيعية، والتعامل مع العمال بعقلية المالك لا على أساس كونهم ذوات إنسانية فاعلة وقادة على المساهمة في تطوير المؤسسة أن سنحت لهم الفرصة والتصرف الأحادي للمؤسسة، و ارتباطا بما سبق ذكره في التمهيد، تم ولأول مرة في تاريخ المؤسسات الإنتاجية على المستوى الدولي طرح مسالة المسؤولية المجتمعية للمؤسسة، ولقد تأكدت هذه المقاربة رسميا وذلك من خلال إصدار مواصفات عالمية مصادق عليها من طرف المنظمة العالمية للمواصفات  خلال سنة 2010 ، وهي المواصفات ISO 26000 التي حددت مفهوم المسؤولية المجتمعية للمؤسسة في إطار تصور ديناميكي ومتطور للتنمية المستدامة للمؤسسة وللاقتصاد المحلي والعالمي بشكل عام.

كما وجب التأكيد على أن المسؤولية المجتمعية للمؤسسة ليس لها علاقة بالواجب الاجتماعي للمؤسسة والذي يرتبط بالضمان الاجتماعي والتغطية الصحية والسلامة المهنية والصحة المفروضة على المؤسسة لصالح العمال.

المسؤولية المجتمعية للمؤسسة: المفهوم والأهداف :

المواصفات ISO26000  المتعلقة بالمسؤولية المجتمعية ليست مواصفات عادية شبيهة بالمواصفات البيئية التقليدية ISO14001  أو المواصفات المتعلقة بالجودة أو بالسلامة والصحة المهنية، التي تتمثل في إنجاز مخطط عمل يفرز منح شهادة للمؤسسة في مجال البيئة أو السلامة أو الجودة والتي تستعملها المؤسسات في ربح أسواق جديدة وخاصة التصديرية، بل أنها مواصفات من نوع خصوصي لا تنتهي بالحصول على شهادة بل هي آلية أو أداة للتطور المستمر والتشاركي بين الأطراف المكونة للمؤسسة في إطار احترام حقوق الإنسان من وجهة نظر جندرية (المساواة التامة بين الرجال والنساء في مجالات العمل ونتائجه) والبيئة والتصرف المستدام للموارد سواء كانت طبيعية أو بشرية أو لوجستية. كل ذلك موجه برؤية وتصور يقوم على الانفتاح والتطور.

وتشتمل هذه المواصفات على جملة من المراحل لمساعدة المؤسسة على التأقلم مع هذا التصور الجديد من خلال:

  • توجيه ودعم المؤسسات في مجال المسؤولية المجتمعية
  • اقتراح إطار يسهل تركيز قواعد المسؤولية المجتمعية للمؤسسة من خلال تحديد الأطراف المعنية بالمسؤولية المجتمعية والتي تربطها علاقات بالمؤسسة مثل العمال والمستهلكين والممولين وكل من له علاقة بالعملية الإنتاجية والاستهلاكية، إضافة  إلى مساعدة المؤسسة على رسم خطة للحوكمة والتصرف الرشيد في الموارد
  • إعطاء المصداقية اللازمة للعمليات الاتصالية المرتبطة بالمسؤولية المجتمعية لتحقيق الانخراط الكامل في التصور من طرف كل الفاعلين والمعنيين بالموضوع
  • ضمان التناسق مع كل المواصفات الأخرى المعتمدة من طرف المؤسسة لتفادي الإخلال آو التداخل

كل ذلك لتحقيق جملة من الأهداف أهمها:

  1. المساهمة في رسم تصور للتنمية المستدام للمؤسسة
  2. الأخذ بعين الاعتبار انتظارات وتطلعات وأفكار الأطراف المعنية بالمؤسسة من عمال ومتعاونين وممولين ومستهلكين بشكل يجعل المؤسسة تتفاعل مع النسيج المجتمعي بالكامل.
  3. احترام القانون و كل إجراءات حماية حقوق الكانسان للعمال ولكل الأطراف المعنية
  4. تشريك العمال في أخذ القرارات الهامة بالمؤسسة وبالتالي تحميلهم جزء من مسؤولية التصرف و التسيير.
  5. فتح راس مال الشركة بنسبة لا تتجاوز 10 بالمائة للعمال بشكل يجعلهم يشعرون بكونهم يعملون في فضاء يملكون جزء منه. وهو ما سينعكس على طبيعة العلاقات الشغلية التي لم تعد مثلما كانت قائمة على المطالبة والرفض، بل تأسيس علاقة قوامها استدامة نشاط المؤسسة لصالح الجميع.

ولتحقيق هذه الأهداف الهامة، المؤسسة مطالبة بفتح حوار جدي وصريح وتشاركي مع كل الأطراف المعنية بالمؤسسة. ويتمحور الحوار حول مسائل أساسية تمثل المحاور التي تؤسس للمسؤولية المجتمعية للمؤسسة. ويمكن تلخيص هذه المحاور كما يلي:

  • الحوكمة والتصرف المستدام
  • حقوق الإنسان
  • العلاقات الشغلية وظروف العمل
  • الوضع البيئي بالمؤسسة والمتعلق خاصة بالموارد وإزالة التلوث في إطار تنمية مستدامة وإنتاج نظيف
  • مشروعية الممارسات والتطبيقات بالمؤسسة وخارجها
  • المستهلك كطرف ساسي بالنسبة للمؤسسة
  • الجماعة المحلية والتنمية بمنطقة المؤسسة

وبالتالي تمثل المسؤولية المجتمعية للمؤسسة من خلال الحوار وأهمية القضايا المطروحة  والأطراف المعنية بالحوار، نقلة نوعية في دور المؤسسة الحديثة، ليست من كونها فضاء للإنتاج واستهلاك المواد الوالية والموارد وتحقيق الإرباح في النهاية، بل دورها أصبح مجتمعيا يحاول أن يجعل من المؤسسة فضاء للحوار والنقاش ليكون الإنتاج أكثر استدامة  وأقل تلوث وأكثر احتراما لحقوق الإنسان وفائدة مجتمعية.

كما أن هذا التصور الجديد للمؤسسة سينعكس على طبيعة العمل والعلاقات الشغلية وبالتالي تراجع الطابع المطلبي للعمال في أطار علاقات أكثر تشاركية في راس المال واتخاذ القرارات المصيرية وتحمل جزء من المسؤولية.

فأين المؤسسة التونسية من هذه الإبعاد والتحولات الهيكلية للمؤسسات على المستوى الدولي في علاقة بالمسؤولية المجتمعية؟

المؤسسة التونسية والمسؤولية المجتمعية:

أمام حداثة المفهوم والمواصفات المتعلقة بالمسؤولية المجتمعية، ونظرا لما تتعرض له المؤسسة التونسية منذ 14 جانفي من تراجعات على جميع الأصعدة، فإننا لا نتصور أن يكون لهذا التصور الحديث مكانا في المؤسسة التونسية التي تصارع الأزمة الاقتصادية المحلية، وتحاول أن تحافظ على توازناتها المالية و حماية عمالها من البطالة القصرية.

كما أن المسؤولية المجتمعية خيار وطني وقرار سياسي قبل أن يكون قرارا فنيا للمؤسسة، ذلك أن المسؤولية المجتمعية للمؤسسة رؤية مبنية على خيارات كبرى حول دور المؤسسة في الاقتصاد والمجتمع، وأن المؤسسة ليست فضاء للإنتاج فقط، بل هي نسيج مجتمعي متكامل ينطلق من التنمية المستدامة ليستقر في مجال حقوق الإنسان ومساهمة العمال في راس مال المؤسسة. ولا أظن أن خيارات السلطة السياسية في تونس الآن ترتقي إلى هذا المستوى أو أنها تهتم بالتنمية المستدامة فعليا، حتى تدفع المؤسسات الوطنية لهذه الخيارات.

ولكن يمكن القول إن المؤسسات وحتى في وضعها الحالي الصعب، يمكن أن تمثل لها المسؤولية المجتمعية حلا وتحولا كبيرا من خلال إعادة رسم العلاقة مع العمال وفتح حوار مجتمعي معهم على قاعدة استدامة التنمية بالمؤسسة وديمومة نشاطها حماية لمواطن الشغل، وبالتالي يتحول العمل النقابي من عمل مطلبي إلى عمل تشاركي مساهم في نشاط المؤسسة وتنمية مواردها باعتبار أن العمال أصبحوا جزء من المؤسسة ومساهمين في راس المال واتخاذ القرارات المصيرية، كما أن التصرف الرشيد في الموارد واستعمال التقنيات النظيفة في الإنتاج ستمثل حوافز جديدة للمنافسة في إطار جديدة أكثر مردودية واحتراما للبيئة وللموارد الطبيعية  والبشرية.

فهل تتجرأ المؤسسات الوطنية وتقتحم مجالات المسؤولية المجتمعية وتحقق نقلتها النوعية وتصبح طرفا هاما في مجال التنمية المستدامة واحترام حقوق الإنسان ومدخلا لتركيز نسيج صناعي وخدماتي نظيف يحترم البيئة ويرشد استعمال الموارد ويساهم في بلورة تصور جديد للتنمية؟

عن البيئة نيوز

شاهد أيضاً

عندما يتحدث وزير البيئة بتلقائية…هل للادراك مجال للتفكيك والتشفير؟

  كثر الحديث في الاونة الاخيرة عن الكلمة التي رددها وزير الشؤون المحلية والبيئة،مختار الهمامي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ga('require', 'displayfeatures'); ga('require', 'linkid'); ga('set', 'anonymizeIp', true); ga('send', 'pageview');