الإستهلاك والإنتاج المستدامالتنمية المستدامةالطاقة

الرّئيس المدير العامّ للشّركة التّونسيّة للكهرباء والغاز، السّيّد هشام عنان : ” لا يوجد اِنتقال طاقي بدون “ستاغ” قويّة رائدة وقريبا إطلاق أوّل وحدة أنموذجيّة لإنتاج الهيدروجين الأخضر”

ملف خاص:  الانتقال الطاقي في عيون الخبراء  “تشخيص واستشراف”

في ظلّ الظّرف الاِقتصادي الصّعب الّذي تسبّب في ظهور تقلّبات كبيرة في السّوق الطّاقية العالميّة وندرتها وأمام قضيّة التّغيّرات المناخيّة الّتي تُلزم العديد من الدّول ومن بينها تونس، التّخفيض في اِنبعاثات ثاني أكسيد الكربون والتّحوّل إلى طاقة خضراء صديقة للبيئة، أصبحت الأنظار ملتفتة إلى الشّركة التّونسيّة للكهرباء والغاز حول كيفيّة مواجهتها لهذه التّحدّيات وماهيّة البرامج والخطط المعتمدة للتّأقلم والتّكيّف مع هذه المتغيّرات، باِعتبارها المسؤول الحصري عن تأمين التّزويد بالكهرباء.

في هذا السّياق، ولمعرفة الدّور الفعّال الّذي تلعبه الشّركة التّونسيّة للكهرباء والغاز وكيفيّة اِنخراطها في الاِنتقال الطّاقي بالتّعاون مع بقيّة الفاعلين، أجرت البيئة نيوز حوارا مع الرّئيس المدير العامّ، السّيّد هشام عنان.

  • قبل الحديث عن الوضع الطّاقي والمقاربة التّشاركيّة الجديدة للشّركة التّونسيّة للكهرباء والغاز، لنتحدّث عن التّاريخ العريق للشّركة، وأبرز إنجازاتها وأهمّ التّحدّيات الكبرى.

اِحتفلت الشّركة التّونسيّة للكهرباء والغاز مؤخّرًا بمرور 60 سنة على تأسيسها، وكانت هذه الفترة زاخرة بالإنجازات المشهود بها في الدّاخل والخارج على حدّ سواء. ففي أوائل ستّينات القرن الماضي، كانت نسبة التّنوير لا تتجاوز 7% ، لكن بفضل مجهودات كلّ الإطارات والأعوان العاملين بها، والبرامج الّتي تمّ إدراجها تقارب هذه النّسبة 100% حاليًّا. وهذا أوّل تحدّي رفعته الشّركة التّونسيّة للكهرباء والغاز بكلّ اِقتدار.

إضافة إلى ذلك، وأمام ما نشهده من عولمة وتحوّلات رقميّة في العالم، أصبح التّحدّي الرّاهن للشّركة هو مواكبة التّحوّل الرّقمي والتّحول الطّاقي. وهذا الأمر ليس بجديد عنها. فمن المعلوم أنّ تراجع موارد الطّاقة الأوّليّة جعلت البلاد التّونسيّة في عجز طاقي هيكلي وأضحى التّحوّل الطّاقي ضرورة قصوى. وللتّذكير، يرتكز إنتاج الكهرباء في بلادنا على الغاز الطّبيعي بصفة شبه حصريّة، وتجدر الإشارة إلى أنّ حصّة الغاز المحلّي تبلغ 30 بالمائة في حين أنّ البقيّة  )70 بالمائة( مستوردة. لهذا الشّأن، تعتبر الاِستقلاليّة الطّاقيّة أمرًا حيويّا جعل من التّأمين الطّاقي أبرز أهداف الاِستراتيجيّة الوطنيّة في مجال الطّاقة الّتي تمّت المصادقة عليها في نوفمبر 2016، لأنّه في اِعتقادي يجب العمل على الأمن الطّاقي والتّنويع الطّاقي قبل المرور إلى الاِنتقال الطّاقي. وللإشارة يهدف المخطّط الشّمسي التّونسي إلى بلوغ حصّة 30 بالمائة من المزيج الطّاقي لإنتاج الكهرباء من الطّاقات المتجدّدة في أفق 2030، والعمل جاري حاليًّا لتسريع النّسق للوصول إلى نسبة 35 بالمائة بتركيز قدرة إنتاج جمليّة تعادل 4100 ميغاواط في جميع الأنظمة المتاحة بما فيها الاستهلاك الذاتي، التّراخيص واللّزمات إضافة إلى حصّة الشّركة التّونسيّة للكهرباء والغاز.

  • الطّاقات المتجدّدة والاِنتقال الطِّاقي : رهان كبير للشّركة التّونسيّة للكهرباء والغاز. لو توضّحون لنا ذلك؟

إنّ إدماج الطّاقات المتجدّدة ليس الحلّ الوحيد لبلوغ الأمن الطّاقي، بل هناك مصادر أخرى طاقيّة بديلة، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، يجب العمل على اِستعمال الطّاقات المتجدّدة لإنتاج الهيدروجين الأخضر. وهنا علينا كدولة تونسيّة توفير كلّ الإمكانيّات السّانحة للتّأقلم والإعداد الجيّد مع شركائنا المموّلين لإنتاج هذا الوقود الجديد الّذي يعتبر مستقبل الطّاقة البديلة في العالم في أفق 2040 و2050.

فيما يتعلّق بالشّركة التّونسيّة للكهرباء والغاز، فقد لعبت -ولا تزال- دورا رائدا في تنويع المزيج الطّاقي، وهذا ليس بغريب عن مؤسّسة عريقة ذات مسيرة حافلة بالإنجازات كما سبق وأن ذكرنا، إذ تتموقع الشّركة من جديد لكي تقوم بتهيئة شبكة نقل الكهرباء لاِستيعاب الكهرباء من مشاريع المحطّات لإنتاج الكهرباء من الطّاقات المتجدّدة باِستثمارات تفوق ألف مليار. علمًا وأنّ الشّركة التّونسيّة للكهرباء والغاز كانت دائما سبّاقة في الطّاقات المتجدّدة ونذكر على سبيل المثال إنجاز أوّل محطّة شمسيّة في ثمانينات القرن الماضي (محطة حمّام بياضة) وأولى المحطّات الرّيحيّة (محطة سيدي داود ذات قدرة 54 ميغاواط ثمّ محطّة الكشابطة / المتلين )بنزرت( ذات قدرة 190 ميغاواط) وتتواصل البرامج والمشاريع مثل العادة.

للإشارة وبعد صدور القانون المتعلّق بإنتاج الكهرباء من الطّاقات المتجدّدة عام 2015، تمّت الموافقة على اِتّفاقيّات لُزمات إنتاج الكهرباء لخمس محطّات فولطاضوئيّة بقدرة جمليّة 500 ميغاواط وقع إرسائها منذ سنة 2016 بعد تجاوز كلّ العراقيل الإداريّة من طرف سلطة الإشراف، وقد وقّعت الشّركة التّونسيّة للكهرباء والغاز عقود شراء الكهرباء بصفة حصريّة مع أصحاب اللّزمات. هذا، ومن المنتظر أن تنشر وزارة الإشراف خلال الأشهر القادمة طلبات عروض في نطاق نظام اللُّزمات قصد بلوغ قدرة جمليّة بـ 1500 ميغاواط.

  • فيما تتلخّص تحدّيات الاِنتقال الطّاقي؟ وماهي مساهمة الشّركة التّونسيّة للكهرباء والغاز في هذا الشّأن؟

عديدة هي التّحدّيات الّتي تواجهها الشّركة التّونسيّة للكهرباء والغاز في الفترة الأخيرة. لعلّ من أبرزها تبعات الصّراع الرّوسي الأوكراني على أسواق الطّاقة في العالم، الأمر الّذي تسبّب في نقص الموارد الطّاقية واِتفاع أسعارها.

وقد اِستطاعت الشّركة التّونسيّة للكهرباء والغاز تأمين استمراريّة تزويد كامل حرفائها بالكهرباء والغاز وذلك بفضل مجهودات كلّ العاملين بها. ونذكر على سبيل المثال، النّجاح في تأمين ذروة قياسيّة للطّلب على الكهرباء بلغت 4664 ميغاواط يوم 18 أوت 2022، وهذا رهان يُحسَب للشّركة. أمّا فيما يتعلّق بالسّنوات المقبلة، فستعتمد الشّركة على اِستغلال المحطّات الشّمسيّة الّتي ستساهم في تأمين الذّروة الصّيفيّة للطّلب على الكهرباء والتّقليل من الاِعتماد على الغاز الطّبيعي.

أمّا التّحدّي الآخر، فهو التّحوّل الرّقمي إذ لا يمكن أن نتحدّث عن الاِنتقال الطّاقي دون الحديث عن التّحوّل الرّقمي. لهذا الأمر، أبرمت الشّركة التّونسيّة للكهرباء والغاز مؤخّرًا مجموعة من الصّفقات المتعلّقة ببرنامج الشّبكة الذّكيّة تستهدف في مرحلة أولى قرابة 400 ألف حريف منهم بالخصوص الصّناعيّون وكبار المستهلكين للطّاقة وجزء من الحرفاء المنزليّين. ومن المبرمج أن يقغ التّعميم على بقيّة الحرفاء في مرحلة ثانية. هذا، ويشمل برنامج الشّبكة الذّكيّة، إضافة إلى تركيز عدّادات ذكيّة لدى الحرفاء لقياس الطّاقة المستهلكة، إرساء جميع أنظمة المعلومات المستخدمة لإدارة البنية التّحتيّة للعدّادات الذّكيّة )جمع البيانات وتخزينها (وإصلاح نظام الفوترة والعلاقات مع الحرفاء، ويُمكِن لمشروع الشّبكة الذّكيّة أن يكون دافعاً للحرفاء لترشيد سلوكهم الاِستهلاكي للطّاقة من خلال إدراج تسعيرة تحفيزيّة لإرجاء بعض الاِستعمالات الكهرومنزليّة في أوقات معيّنة باللّيل، وفي هذا رِبحٌ للحريف وللمجموعة الوطنيّة.

إضافة الى ذلك ومع تحسين الخدمات للحرفاء، تعمل الشّركة بالتّعاون مع الوكالة الوطنيّة للتّحكّم في الطّاقة على تشجيع إدماج الطّاقات المتجدّدة لدى الحرفاء المنزليّين من خلال مجموعة من البرامج المتعلّقة بتركيز الأسقف الشّمسيّة المنزليّة. وفي هذا الخصوص، تمّ تركيز منذ سنة 2010 قرابة 140 ميغاواط من هذه الأسقف. ويُشار هنا إلى أنّ الشّركة التّونسيّة للكهرباء والغاز تقوم باِستخلاص كلفة تركيز الأسقف الشّمسيّة المنزليّة على أقساط في فاتورة اِستهلاك الكهرباء. إلى جانب ذلك، ولتعميم هذه التّجربة، خصّصت الشّركة بالاِشتراك مع الوكالة الوطنيّة للتّحكّم في الطّاقة برنامج مساعدات للشّرائح الاِجتماعية المتوسّطة لإنتاج الكهرباء وهو مشروع نموذجي رائد سيتمّ إطلاقه بولاية توزر.

  • كيف تقيّمون المسؤوليّة المجتمعيّة للشّركة التّونسيّة للكهرباء والغاز ؟

إنّ المسؤوليّة المجتمعيّة للشّركة التّونسيّة للكهرباء والغاز ليست بثقافة جديدة عنها، وإنّما تعود إلى سنوات وسنوات ! فمنذ ستّينات القرن الماضي، تعهّدت الشّركة بتعميم التّنوير وخلق بيئة جديدة ودفع التّنمية والدّيناميكيّة الاِقتصادية بالبلاد. ولعلّ تحقيق نسبة تنوير تقارب 100 بالمائة في كامل تراب الجمهورية لدليل واضح على الاِلتزام المجتمعي للشّركة تجاه الأفراد والمحيط. أمّا اليوم وأمام التّطور المجتمعي، أصبحت المسؤوليّة المجتمعيّة للشّركة مهمّة جدًّا تجاه تغيّر المناخ، إذ أنّ الشّركة ملتزمة في هذا المجال وتعمل على التّخفيف من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في كامل مواقع الإنتاج وتقوم بالاِستباق والتّخطيط لذروة الطّلب الّتي أصبحت تُوافق درجات حرارة ما بين 40 و50 درجة. إضافة إلى هذا وفي إطار التّعاون مع وزارة التّربية، جهّزت الشّركة التّونسيّة للكهرباء والغاز أوّل مدرسة اِبتدائيّة بأسقف شمسيّة في منطقة العوينة بتونس العاصمة من أجل نشر التّربية الطّاقيّة للأجيال النّاشئة والتّخفيف من الكلفة الطّاقيّة للمؤسّسة التّربويّة.

كلمة الختام

إنّ الشّركة التّونسيّة للكهرباء والغاز مؤسّسة عريقة، وهي رائدة في مجال الطّاقات المتجدّدة وفي التّنويع الطّاقي، فبعد أن حقّقت خطوات ثابتة في إنتاج الكهرباء والتّنوير بنسبة 100 بالمائة، تحرص اليوم على تكوين مجموعة من الإطارات وتدريبهم بالخارج لاِكتساب معارف جديدة عن المصادر البديلة للطّاقة وعن الوقود الجديد “الهيدروجين الأخضر” خاصّة، وهو ما من شأنه أن يعمّم الخبرة في الجامعات ومراكز البحوث التّونسيّة. إضافة إلى ذلك، من المتوقّع الإعلان قريبًا عن إنشاء أوّل وحدة إنتاج أنموذجيّة للهيدروجين الأخضر. فالاِنتقال الطّاقي له مسارات عديدة ومجالات مفتوحة تحرص الشّركة التّونسيّة للكهرباء والغاز الرّائدة في ذلك على تنويعه وترسيخه لأنّه لا يمكن إنجاح الاِنتقال الطّاقي ببلادنا بدون أن تكون شركتنا قويّة ومتمكّنة من كلّ التّقنيات الحديثة.

البيئة نيوز :سعيدة الزمزمي

إقرء المزيد

مقالات مرتبطة

زر الذهاب إلى الأعلى